عبد الملك الجويني
361
نهاية المطلب في دراية المذهب
فصل قال : " ولا يبلغ بعقوبةٍ أربعين ، تقصيراً عن مساواته عقوبة الله تعالى في حدوده . . . إلى آخره " ( 1 ) . 11235 - التعزيرات لا مبالغ لها تقديراً من الشارع ، ولكن يتطرّق إليها في جهة الأقصى مردٌّ يُنتَهى إليه ، ويتخذه المجتهد شوفَه بين يديه ، فالذي تمهد في الأصل أن التعزير لا يُبلغ به الحدّ ، كما أن الرضخ لا يبلغ به السهم في المغنم ، والحكومة لا تبلغ الدية . ثم اختلف طرق أئمتنا في المبالغ التي نجعلها شَوْفنا في الاعتبار : فقال قائلون : يُحط أعظم التعزيرات عن أقل الحدود ، وقال آخرون : يُنسب مقتضى كل تعزير إلى ما يقتضي الحدّ في قَبيله ، حتى إن كان ما صدر من الإنسان هي مقدمات الزنا ، فالتعزير فيما جاء به محطوط عن حد الزنا ، وإن عرّض بقذف ، أو قذف من ليس محصناً ، فتعزيره محطوط عن حدّ القذف ، وإن فرض ملابسةٌ لأسباب الشرب ، فالمعتبر الذي إليه الرجوع حدّ الشرب ، وهذا فقهٌ حسن . توجيه الوجهين : من قال يُحط أبلغ التعزيرات عن أقل الحدود ، احتج بأن قال : أعظم الأشباه بالإضافة إلى أقل أسباب الحدود محطوط عنه ، وإنما توجد العقوبات من موجباتها ، ومن يصير إلى الوجه الثاني احتج بأن النِّسب حقها أن تقرر باعتبار كل نوعٍ بالغاية المطلوبة فيه أولى ، ولذلك تعتبر كل حكومة بحسب الجناية على عضو بما يجب الأرش المقدّر في ذلك العضو ، على تفاصيلَ انتجز شرحها في الديات . وما ذكره ناصر الوجه الأول من أن ما يوجب أقلَّ الحد أعظمُ مما يوجب أبلغ التعزيرات ليس كذلك ؛ فإن منازل الزلات والجرائم لا يُتلقَّى من هذا ، ورب شيء هو أكبر من كبار موجبات الحدود لا يحدُّ في قبيله ، كأكل مال اليتامى ظلماً ، وكإمساك
--> ( 1 ) ر . المختصر : 5 / 176 .